محمد جواد مغنية

59

في ظلال نهج البلاغة

« الظاهرة القرآنية » لمالك بن نبي : ان النمل الأمريكي يغادر مساكنه قبل اندلاع الحريق فيها بليلة ، وان في جنوب قسطنطنية نوع من الحيوانات القارضة تبرح أمكنتها قبل الكوارث الطبيعية ، فهل هذا من باب الصدفة ، أو ان حكمة اللَّه سبحانه أعطت لهذه المخلوقات وغيرها ما أعطت للإنسان ( وما الجليل واللطيف - أي الكبير والصغير - والثقيل والخفيف ، والقوي والضعيف إلا سواء ) في القوانين الثابتة الراسخة التي تشمل وتعم جميع الخلائق على تباينها واختلافها حجما وطبيعة وشكلا ، وهل من تفسير معقول لهذه الوحدة إلا بإرادة حكيمة واحدة ، وقدرة واحدة ، وان خالق النملة هو خالق النخلة ، كما قال الإمام وكتب أهل الاختصاص كثيرا عن النمل وتدبيرها وادخارها وتعاونها ونظامها المحكم في الاقتصاد والاجتماع ، وكلها تبعث الدهشة ، وتدل بوضوح على إرادة حكيم قدير ، وأعجب ما في النمل على الاطلاق ما حكاه سبحانه عن نملة سليمان في الآية 18 من سورة النمل : * ( « قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُه ُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ » ) * ومكان العجب أن تشفق هذه الذرة على قومها من بأس الجنود الذين جاسوا خلال الديار . . وأن لا يشعر إنسان عاقل بآلام قومه ، وان يبيعهم بثمن بخس لعدوّه وعدوهم يمتص دماءهم ويسلب أقواتهم ويهلك الحرث والنسل . وفي بداية الخمسينات من هذا القرن اضطر الاستعمار بضغط من حركات التحرر أن يخرج بجنوده من مستعمراته ، ولكنه بحث عن نوع جديد من الاستعمار يكون أكثر أمنا ، وأقل كلفة ، واهتدى إلى الخونة من أبناء البلاد ، فأقام منهم قواعد لسيطرته واستغلاله . . وشهد هؤلاء المارقون على أنفسهم - بهذه الصفقة الغادرة - انهم أصغر من النملة وأحقر . لا بناء بلا بان . . فقرة 5 - 7 : وكذلك السّماء والهواء والرّياح والماء . فانظر إلى الشّمس والقمر والنّبات والشّجر والماء والحجر واختلاف هذا اللَّيل والنّهار ، وتفجّر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال وتفرّق